عمل الرسول في التجارة

عمل الرسول في التجارة

تجارة الرسول مع عمه أبي طالب

عمل النبي-صلى الله عليه وسلم- في التجارة، وكانت تلك المهنة فرصةً كبيرةً لتعامله مع النَّاس بمختلف أطيافهم، وانطلق برحلته الأُولى إلى الشَّام، وكان في ذلك الوقت صغيراً، حيث تعلَّق بعمّه أبي طالب عندما همَّ بالخروج إلى الشّام للتِّجارة، فاستجاب عمه لطلبه، وحمله معه على البعير، وقد مرّوا في طريقهم ببعض النصارى الذين يحرصون على تطبيق ما تبقَّى من تعاليم المسيح عيسى -عليه السَّلام-، وقد كانوا يعرفون وصف النبيّ الذي بشَّر به عيسى -عليه السَّلام- أكثر ممَّا يعرفون أبناءهم، ومن هذه الأوصاف أنَّه يتيم، وبين كتِفيْه خاتم النبوّة، ويأتي قومه بالمعجزات الخارقة للعادة، وكانت هذه الرِّحلة في السنة الثانية عشرة من مولده المُبارك، وقد التقى ببحيرا الراهب الذي علم أنَّه النبيّ الذي جاءت البِشارة به في الإنجيل، فأشارعلى أبي طالب أن يرجع به إلى مكة المكرمة؛ لِعلمه بما سيكون من معاداة اليهود له، فأعاده أبو طالب، ولمَّا أتمَّ العشرين من عمره أشار عليه عمّه أن يقوم بالتِّجارة عن السيدة خديجة -رضي الله عنها-، وقد ذاع صيت النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- بين أهل مكة بأمانته، وصدقه، وجميل صفاته وأخلاقه، فقبِلت -رضي الله عنها- وأرسلته إلى الشَّام مع خادمٍ لها يُدعى ميْسرة.

تجارة الرسول بأموال السيدة خديجة

يُذكر أنَّ النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عندما تاجر في أموال السيدة خديجة -رضي الله عنها- مع غلامها ميسرة؛ تمكّن من جمع الكثير من المال مع ما حصل له من ثقة الناس ومحبَّتهم؛ وذلك لأمانته وحكمته، ولمَّا رجعوا أخبر ميسرة السيدة خديجة عن أمانته وإتقانه، فأعجبها ما سمِعَت، وقد كانت رفيعة النسب، معروفةً بين قومها بعلوِّ مكانتها؛ مما دفع أشراف قريش للتّهافت على خِطبتها، ولكنَّها أرسلت إلى نفيسة بنت منية وطلبت منها أن تعرض على النبي الزواج بها، فقبل النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقد تمَّ زواجها من النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو في سنِّ الخامسة والعشرين من عمره، وقد أحبّها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كثيراً، فلم يتزوّج امرأةً أخرى في حياته، وبشّرها بالجنة، وولدت له جميع أولاده وبناته، سِوا إبراهيم فقد كانت والدته ماريّة القبطية -رضي الله عنها-.

هدي الرسول في التجارة

كان النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقوم بالتجارة بنفسه، وقد يوكّل أحد صحابته الكرام بذلك، فقد طلب النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من عروة بن أبي الجعد البارقي أن يشتري له أُضحيّة، وقام بإعطائه ديناراً، وكان عروة بارعٌ في التِّجارة، حيث قام بشراء شاتين بالدِّينار الذي أعطاه إياه النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ثمَّ باع إحداهما بدينار، فعاد بالشاة والدِّينار، فسُرَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من فعله، ودعا له بالخير والبركة، وقد كان النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كثير الوعظ للتُّجار وتحذيرهم من الغشّ الذي يُنذر بالهلاك والعذاب، فقد مرّ بينهم في السوق وقال: (إنَّ التُّجَّارِ يُبعثون يومَ القيامةِ فُجَّارًا إلا مَنِ اتَّقى وبرَّ وصدقَ)، كما كان يحثّهم على الصدقة، وإنظار المُعسر، والكرم، وغيرها من الصفات الحميدة، وكان من هديه في البيع والشِّراء التسهيل والتيسير على الناس، والعفو عند المقدرة، والمساومة في البيع والشِّراء دون تبخيس الناس أشياءهم، واجتناب تطفيف الميزان والرِّبا بجميع أنواعه.

وقد كان الأنبياء يأكلون من عمل أيديهم، وسُئل الإمام أحمد عن الذي يعتكف بمسجده، وينتظر أن يأتيه رزقه، فقال: “هذا رجل جهل العلم”، كما جاء عن عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- أنَّه قال: “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تُمطر ذهباً ولا فضّةً”، ويحسن بالتاجر أن يقوم بتخصيص مبلغٍ من عوائده المالية للصَّدقة، فهي من أسباب البركة والنماء، ويجدُر بالذِّكر أنَّ المعاملات المُحرّمة هي التي اشتملت في مجملها على إلحاق الإضرار بالنَّاس أو في المُجتمع كلِّه، لذلك بيّن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- حرمتها، وأسّس نظاماً كاملاً يسير عليه الناس في معاملاتهم.

عمل الرسول صلى الله عليه وسلّم

جعل الله -تعالى- أنبياءه ورسله بشراً يأكلون ويشربون كما يأكل الناس ويشربون، ويعملون بالأعمال والحِرف المختلفة، فقد عمل النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- برعيِ الغنم، كما عمل الأنبياء السابقين من قبله برعي الغنم وغيرها من الأعمال المختلفة، وقد امتدح النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من يرعى الغنم بأنّ فيه وقارٌ وطمأنينة، أمَّا أهل الإبل ففيهم الفخر، قال -عليه الصلاة والسلام-: (الفَخْرُ والخُيَلاءُ في أصْحابِ الإبِلِ، والسَّكِينَةُ والوَقارُ في أهْلِ الغَنَمِ)، ويُراد من عمل الأنبياء والرُّسل إقرار أهمية السّعي؛ لتحصيل الرزق الطيِّب الحلال، والسعي في عمارة الأرض، وهذا عين التوَّكل على الله لِما فيه من الأخد بالأسباب، أمَّا عن عمل النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في رعي الأغنام فقد قام به بالتَّعاون مع إخوانه في الرِّضاعة من بني سعد، واكتسبَّ منه التواضع، والصَّبر، والشجاعة، كما عمل النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في التِّجارة، واكتسب من عمله بها العديد من المهارات والصِّفات الحميدة.